2011/12/04

استهداف الإرادة الحرة - متابعة


استهداف الإرادة الحرة - متابعة

لاحقاً لموضوعِ "استهداف الإرادة الحرة" والمُترجم على هذه المدونة في (١٤-١٠-٢٠١١)، أضعُ رأيي الشخصي هنا في هذا الرد.


(الصورة مصدرها المقال الأصلي في Nature مع بعض التعديل)

أعتقد بدايةً وبالرغم من أهمية المقال والموضوع المطروح وعرضه للأبحاث المتعلقة المتعددة حول الأمر، أعتقد أنه ظالمٌ للغاية للفلسفة وللباحثين في الأطر الفلسفية، وكأنّه يضع الفلسفة في مواجهةٍ مع العلم والفلاسفة في تضادٍ مع العلماء وهو بالتأكيد أمرٌ غير حقيقيّ. وبالإضافة لذلك؛ يضعُ المقال بعض الآراء الفلسفية لأصحابها وكأنها تُمثل "الرأي الفلسفيّ في القضية" وهي مسألةٌ أجدها غريبة خصوصاً عند الحديث عن مفهومٍ واسعٍ كهذا وفي مقالٍ ضمن مجلةٍ محترمةٍ مثل (Nature). 

أودُّ هنا التأكيدَ أن ردي هذا ليس تشكيكاً أو تقليلاً من شأن الطرح العلميّ في المقال بل إضافة بعض الرؤى الفلسفية المتوافقة مع ما طُرح في المقال وغير المذكورة فيه بالرغم من ارتباطها الكامل، فأنا شخصياً من المدافعين جداً عن العلم والمنطق العلميّ، بالإضافة لحبي للفلسفة، وكإضافة مهمة أيضاً؛ أنا من الحتميين الذين لا يؤمنون بوجود حرية اختيار فأنا هنا أتفق بالمحصلة مع محتوى المقال ولكن تفاصيله هي المشكلة برأيي.

ولمن لمْ يقرأ المقال الأصلي، هو يتلخص في البداية بطرح بعض التجارب التي قام بها علماء الأعصاب تُفيد بملاحظة إشارات دماغية "قبل" قيام المُشاركين باختيارٍ معين، والنتيجة التي وصلت لها تلك التجارب هي أن دماغنا يُقرر على الأغلب قبل إدراكنا الواعي أو قيامنا بالاختيار، أي نفي وجود "الإرادة الحرة" أو "حرية الاختيار".

ثمّ يعرض المقال الطرح على أنه يتناقض مع الآراء الفلسفية، إما بالتشكيك بصحة التجارب أو بإيضاح أنها -تلك التجارب- غير كافية للوصول لنتيجةٍ حتمية حول الأمر. بعض الآراء الفلسفية الأخرى تطرح الإشكاليات القانونية التي قد تحدث إن ثبت عدم وجود إرادةٍ حرة فينا بالفعل لأن ذلك يُخلي المجرم -بحسبهم- من أي مسؤولية عن فعلته.. إلخ. ومن ثمّ قيام بعض الجهات بمحاولة إيجاد توفيق بين الرأيين -الفلسفي والعلمي- بعمل جلسات تجمع بين أصحاب تلك الآراء المختلفة للاتفاق على منهجية صحيحة بإمكاننا الخروج عبرها بنتائج أكثر وضوحاً ودقة.
لذا أطرح هنا بعض النقاط التي أرى بأنها لمْ تُطرح بشكلٍ سويّ في المقال:

١- العلماء في مواجهة الفلاسفة:

هو تعبيرٌ خاطئ برأيي، وقد تم التركيز عليه في المقال في أكثر من للقضية رأيين متناقضين وهي مسألة غير صحيحة بالطبع.

فلا يوجد أصلاً رأيٌ فلسفيٌّ موحد تجاه قضية حرية الاختيار بل تختلف آراء الفلاسفة من مؤيدٍ بالكامل لوجود حرية الاختيار في طرف، وطرفٌ آخر يعتقدونها وهماً بالكامل وما بينهما من آراءٍ مختلفة.
ومن جهةٍ أخرى نرى ذات الشيء، فهناك مِنَ العلماء والباحثين مَنْ يعتقد أنّ تلك التجارب كافية وتقيس بشكلٍ حقيقيّ قدرة دماغنا على صناعة القرار واتخاذه قبل إدراكنا لذلك، وآخرون -من العلماء أنفسهم أيضاً- يرون أنها تجارب غير كافية ولا يمكن الخروج بها بنتيجة صريحة.

لذا فالتعبير برأيي هو تعبيرٌ خاطئ ولا يعكس إلاّ توجهاتٍ لجهاتٍ بآراءٍ معينة للقضية من الفلاسفة وآخرون من العلماء تجاه التجارب ذاتها فالتعميم بهذا الشكل يُصبح بلا قيمة.

2- الاستخدام الخاطئ لمفهوميّ العلم والفلسفة -أو العلماء والفلاسفة-:

لا أعلمُ كيف غفلت الكاتبة سميث لهذه المسألة الهامة، فقد تم توزيع الأدوار بناءً على صاحبها بدلاً من نوع الرأي وارتباطه بالمفهوم المناسب (كان التوزيع بحسب الشخص وليس الرأي).

فأجد من المثير للاهتمام  هنا أنّ الكثير من النقاط في المقال كان من المفترض أنْ تُنسب للطرف النقيض، وأعني أنّ قول بعض علماء الأعصاب وادعاءهم بنفي حرية الاختيار بناءاً على التجارب التي قاموا بها هو رأيٌ فلسفيّ مبنيّ على تجارب علمية وذلك لعدم وجود تجارب كافية من جهة وعدم إجماع علميّ بعد حول الأمر، واعتراض بعض الفلاسفة على دقة التجارب وكفايتها من المُفترض أن يؤخذ كرأيٍ ونقدٍ علميّ لا فلسفيّ فلا يهم من القائل هنا بل طبيعة الطرح والافتراض والأدوات المستخدمة لإثباته.

3- حول مفهوم حرية الاختيار/الإرادة الحرة:

وهي المسألة الأكثر جوهرية، فكما في المقال الأصلي والعديد من المقالات والوثائقيات المرتبطة حول الأمر، تُطرح في العادة بعض الآراء القانونية وغيرها أنّ تأكيد وهمية الإرادة الحرة أو نفيَ وجودها سيؤدي إلى نتائج كارثية في المجال القانونيّ مثلاً والاجتماعيّ، لأن مفاهيم العقاب القانوني حالياً هو مبنيّ على أنّ المُجرم مسؤولٌ عن فعلته، فكيف يُسجن إن كان جُرمه أمراً محتوماً؟

ونرى في المقال آراءً كهذه تحت عنوان "معركة الإرادة" فيما يتعلق بتأثيرات إلغاء الإرادة الحرة، منها آراء (نيكولاس ماكنتوش) و(أوين جونز) وغيرهم، ولكن للأسف دون أي طرح مقابل.

وبالرغم أنّ التوتر والخوف من نتائج تأكيد هذه المسألة وتأثير ذلك على المسألة القانونية، بالرغم أن ذلك الخوف قد يبدو مبرراً ولكنني لا أعتقد ذلك، فالمسألة برأيي مجرد عدم إدراك أو تصور كامل لقضية الإرادة الحرة.

لنفترض أن التجارب أكدت دون أدنى شكّ أنّ "حرية الاختيار" ما هي إلاّ هرمونات تُفرزها غدد من دماغنا بعد أن يقوم هو بأخذ القرار، تُفرزها تلك الهرمونات لإشعار الوعي (نحن) أننا من قام بذلك القرار، بالرغم من عدم وجود أي دور لنا (نحن الوعي) في ذلك. ماذا سيعني ذلك؟

قبل ذلك، من المفيد معرفة المؤثرات المرتبطة بقيامنا بقرارٍ ما (أو، لنقل: قيام دماغنا بذلك، في هذا الخضم)؛ فنحن نعلم أننا لنْ نقرر مثلاً المشيَ على الشاطئ إنْ كنا نعيش في مدينةٍ لا شاطئ فيها، ولنْ نقرر ضرب طفلٍ غير موجود.. الفكرة هنا أنّ القرارات المأخوذة هي مرتبطة أصلاً بالمؤثرات الزمانية والمكانية حولنا.

من جانبٍ آخر، نرى وبوضوح، أنّ العيش في بيئةٍ معينة يؤثر بوضوح على خيارات الفرد، فنسبة الجريمة (إن أخذنا ذلك كإحدى نقاط الدراسة) في دولة معينة تختلف عن أخرى، بل وفي ذات الدولة بالإمكان ملاحظة نسبة الجريمة تزداد في الأحياء الفقيرة التي تعاني مسي سوء التعليم والفقر وغير ذلك. 

الرسم التالي يُوضح مثلاً فُرصة الدخول للسجن في أمريكا لسنة 2001 بحسب التوزيع الديمغرافي الذي يوضح عرق السجين، والبيانات مبنية على الإحصاءات السابقة لنسبة السجناء بحسب عرقهم: 
(بالإمكان إيجاد الرسم البياني أعلاه في [هذا الرابط] من ويكيبيديا، أو الاطلاع على دراسة تفصيلية عن إحصائيات السجون في أمريكا لـ 2009 عبر [هذا الرابط] من وزارة العدل الأمريكية).

جميع الدراسات تُشير إلى أنّ فرصة الأمريكي من العرق الأسود في قيامه بجريمة هي تقريباً أكثر من ستة أضعاف فرصة قيام أمريكي أبيض بتلك الجريمة خصوصاً في الجرائم الكبيرة كالقتل والاغتصاب.. إلخ، وقد كانت نسبة أعلى من ذلك وفي تناقص مضطرب في الثلاثين سنة الأخيرة. طبعاً المشكلة كبيرة إنْ اعتبرنا الجميع مسؤولٌ بالكامل عن أفعاله دون الأخذ بالظروف المحيطة وتأثيرها الهائل على حياة الأفراد منها القيام بالجرائم الكبيرة.

بالطبع، الظروف المعيشية للأمريكي الأسود هي أصعب بكثير من الأبيض، مستوى التعليم والصحة الفرصة في إيجاد عملٍ قد يُمكنه من تغيير تلك الظروف لأبنائه أو محيطه هي أقل بكثير من ذلك الأبيض، كلّ ذلك يؤثر كثيراً في الجريمة وغيرها ولا يعني أنّ أخلاق الأبيض كانت أعلى من غيره مثلاً.

إنّ الفكرة من هذه الإحصاءات هي توضيح دور الظروف المحيطة في إحدى أهم الخيارات التي قد نأخذها وهي "القتل"، أيْ أنّ دماغنا سيعمل بطريقة مختلفة إن كنا نعيش في هذه البيئة أو تلك.

وبعيداً عن الاختلافات العرقية، بالإمكان تتبع قراراتنا المختلفة كل معرفة نكسبها وهذا بالإمكان التأكيد عليه ليس بدراسة الإشارات الدماغية قبل اتخاذنا قراراً ما فقط، بل بملايين الدراسات المختلفة. فيضُ الخياراتِ أمامنا مدفوعٌ بتلك المعارف والتجارب، ومحددٌ بأفقٍ من القدرات المرسومة فينا جينياً.
ماذا يعني هذا؟
  • إنْ مررنا بتجارب مختلفة ستكون الخيارات مختلفة أمامنا (أو أمام دماغنا ليقوم باختياره)، وهو طرحٌ لا يحتاج للكثير من الإثبات لإدراكه.
  • قيامنا بجريمة معينة أو أمر سيء لا يعني أنّ عقوبة السجن مثلاً هي غير مُبررة لأننا لمْ نختر ذلك، على العكس، فعقوبة السجن ستدخل تلقائياً ضمن تجارب السجين التي سيبني عليها لاحقاً معاييره في اتخاذ القرارات الأخرى.
مجدداً ماذا يعني هذا؟

أعتقد، بأن إدراكنا لعدم امتلاكنا لحرية الاختيار من المفترض أن لا يؤدي لأيْ تغيير مفترض في النظام القضائي أو في تعاملنا مع بعض بأي شكل. كل شيء سيبقى على حاله ومن الأفضل أن يبقى على حاله، المسألة مسألة معرفية وأخلاقية فقط.

وبعكس ما طرح المقال في آخره، أنَّ هناك تخوف من أنَّ معرفة كهذه قد تؤدي لنتائج سلبية على المجتمع.. إلخ، أعتقد أنّ إدراك ذلك سيولِّد دافعاً إضافياً للحكومات وأصحاب القرار لتحسين الظروف المعيشية للأفراد، لمحاولة خلق بيئة صحية للمجتمعات، بيئة تساعد على إنشاء أفرادٍ سليمين يتملكون خيارات حقيقية وجيدة ليختاروا منها بدلاً من ظروفٍ تفرض خياراتٍ كالجريمة وغيرها، إدراك ذلك يضع مسؤولية حقيقية عن المسؤول الغير مباشر عن الخيارات التي يتخذها الأفراد (فالمسؤولون غير المُباشرين هم مسؤولون أيضاً عن تلك الجرائم والخيارات).


إدراك ذلك سيساعد على خلقٍ وتقوية وعيٍ اجتماعيّ جماعي حول قضاياه، وعيٍ مشترك ليؤكد أنّ مشكلات المجتمع هي مرتبطة وأن مصير أفراده هي مرتبطةٍ أيضاً. هو أمرٌ إيجابيّ بالطبع وسيؤدي لمجتمعٍ أفضل.. آمل أن نصل يوماً لذلك.

هكذا أظن.. (أو ظنَّ دماغي).
كل الود

علاء البنا


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق