2011/10/14

استهداف الإرادة الحُرة


استهداف الإرادة الحُرَّة


هذا ليس رأياً شخصيّْاً؛ بل ترجمةً (غير قانونية) لمقالٍ نُشرَ في العدد 477 من مجلة (Nature) في الأوَّل من سبتمبر 2011، بعنوان: "استهدافُ الإرادةِ الحرَّة" للكاتبة: كيري سميث (Kerri Smith)، وسأضع تعليقي في ردٍّ آخر. 

بالإمكانِ إيجادُ المقالِ الأصليّ بالانجليزيَّة في (هذاالرابط)، والصورة مأخوذة من ذات المصدر.



"يعتقدُ العلماءُ بأنَّ الإرادةَ الحرة هي مجرَّد وَهَْم، الفلاسفة يدفعونهم للتفكير مُجدَّداً."

التجربة ساعدت جون-ديلن هاينز في تغيير منظوره للحياة.

في 2007، قام هاينز (John-Dylan Haynes)، عالمُ الأعصاب في مركز بيرنشتاين لعلومِ الأعصابِ المُحَوسَبة في برلين، قام بإجراء تجارب على أشخاصٍ وضعهم تحت ماسحةٍ دماغية، حيث تُعرَضُ على شاشةٍ أمامهم حروفٌ عشوائيةٍ وبشكلٍ متتالٍ. وطُلب منهم الضغطُ على مفتاحٍ إمّا باستخدام إصبع السَّبّابة الأيمن أو الأيسر عند الشعور بالرغبة في ذلك، مع تذكُّر الحرف الذي ظهر على الشاشة في تلك اللحظة التي قرر فيها الضغط. وقد تمَّ استخدامُ تقنيَّة الرَّنين المغناطيسيّ الوظيفيّ (fMRI) في التجربة، وذلك للتتبُّع نشاطاتِ الدِّماغ لحظيَّاً عندما يُقرِّر المتطوِّعُ استخدام إصبع يده اليُمنى أو اليُسرى. وقد كانت النتائج مُفاجِئة.

"في البداية قلتُ بأنَّ علينا التحقق إن كانت النتائجُ صحيحةً" يقول هاينز، "قُمنا بتكرار الفحوصات للتأكد، وبدرجاتٍ أكبر من أيِّ دراسةٍ شاهدتها من قبل".

إنَّ القرار الواعي بالضغطِ على المفتاح تمَّ اتِّخاذه قبْلَ حوالي ثانية واحدة من الضغطِ الفعليّ، ولكنَّ فريقنا اكتشف بأنَّ هناك نمطاً مِن النَّشاطِ الدماغيّ يبدو بأنّه بالإمكانِ عبره التَّنبؤ بذلك الخيار قَبْل حتى سبع ثوانٍ. أيْ قبلَ أنْ تُدركَ عيِّنةُ الاختبارِ بأنه قام باختيارٍ حتى. لذا يبدو بأنَّ الدماغ، قد قرر الاختيار مُسبقاً.

نحن البشر، نُحبُّ الظنَّ بأنَّ خياراتنا نقوم بها في إدراكنا الواعي - أننَّا نمتلكُ إرادةً حرَّة. جادل الفلاسفةُ ذلك المفهومِ لقرونِ عدّةٍ، والآن هاينز وعلماء أعصاب تجريبِّيين أخريين يُحيُون تحدياً جديداً. يقولون بأنَّ الوعيَ باتخاذ قرارٍ ما، قد يكون مُجرَّدَ فكرةٍ بيوكيميائيةٍ متأخرة ليس لها أيُّ تأثيرٍ على الأفعالِ الحقيقيّةِ التي يقومُ بها الفرد. وبحسب هذا المنطق، هم يقولون بأنَّ الإرادةَ الحرة ما هي إلاّ وهْم. "نحنُ نشعر بأنَّنا نقوم بالاختيار، ولكنَّنا في الحقيقة لا نختار،" يقول باتريك هاجرد (Patrick Haggard)، عالمُ أعصابٍ في كليَّة جامعة لندن.

ربّما تظنُّ بأنَّك قمتَ باختيار اقنتاء كوبٍ من الشَّاي أو القهوة هذا الصباح، على سبيل المثال، ولكنَّ القرار على الأغلب تمَّ قبل إدراكك بكثير. بالنسبة لـ هاينز، هذا أمرٌ مُقْلِق، "سأكون صريحاً للغاية، أجدُ من الصعب جداً التَّعامل مع هذه الحقيقة"، يقول هاينز، "كيف بإمكاني أنْ أقولَ بأنَّ هذه إرادتي (أنا) إنْ كنتُ لا أعلمُ حتى متى تمَّ ذلك ولا القرار الذي تمّ اتِّخاذه؟"

تجاربٌ على الأفكار

الفلاسفةُ من جانبهم غير مُقتنعين بأنَّ بإمكانِ ماسحاتُ الدِّماغِ أنْ تمسح الإرادة الحرة بتلك السهولة. البعض قام بالتشكيك بنتائجِ علماء الأعصاب وتفسيرهم لها، قائلين بأنَّ الباحثين لمْ يفهموا ذلك المفهوم الذي يقومون بنفيه بشكلٍ كافٍ. آخرون كُثر لا ينخرطون بالعلمِ على الإطلاق. "عُلماء الأعصاب والفلاسفة منفصلين عن بعض بشكلٍ كبير،" يقول وولتر جلانون (Walter Glannon)،  فيلسوفٌ في جامعة كالجاري في كندا، والمهتم في علم الأعصاب والأخلاقِ والإرادة الحرة.

هناك مؤشِّراتٌ بظهور بدايةٍ لتغيير هذا الأمر. هذا الشهر؛ مجموعةٌ من المشاريع المرتبطةِ بالأسئلة الكبرى حول الإرادةِ الحرَّة قيد الإعداد، ضمن خطةٍ بسنواتٍ أربع، وتمويلٍ يُقدَّر بـ 4.4 مليون دولار أمريكي مُقدَّمٌ من مؤسسة جون تمبلتون في الولايات المتحدة، والتي تدعم أبحاثاً تربط بين اللاهوت والفلسفة والعلوم الطبيعيَّة. يقول البعضُ أنَّه ومع تكرار التَّجارب وتحسينها، سيكون بإمكان علم الأعصاب مُساعدة الباحثين في تحديد العمليات الفيزيائية المرتبطة بالإرادة الواعية لفهمٍ أفضل لنشاطات الدماغ التي تسبقها. وإن كان بالإمكانِ إيجادُ نشاطاتٍ غير واعيةٍ في الدماغ للتنبؤ بالقراراتِ بشكلٍ كامل، عملٌ كهذا قد يُزعزعُ مفهومَ الإرادة الحرة بشكلٍ كبير، "منَ المُحتمل أنَّ الارتباطات العصبية تتحول في مرحلةٍ ما إلى نقاط اتصالٍ عَرَضيَّةٍ بين ميكانيكية عمل الدماغ وبين سلوكه"، يقول جلانون، "وإنْ كانت تلك هي القضيَّة بين أيدينا، هذا سيهدد الإرادة الحرة، بأيِّ تعريفٍ لها في الفلسفة".


لم يكن هاينز أوَّل عالمِ أعصابٍ يبحث في القرارات اللاواعية. ففي 1980 قام بنيامين لايبت (Benjamin Libet) المُختصّ في علم النَّفس العصبيّ في جامعة كاليفورنيا، بربطِ المشاركين في دراسةٍ له بأجهزة (EEG) المخصصة بقياس موجات الدماغ، حيث طَلَب منهم مشاهدةَ ساعةٍ تدور حولها نقطة. وعندما يشعرُ المُشاركُ برغبة في تحريكِ إصبعه، عليه ملاحظةَ موقعِ تلك النقطة بالتحديد. وقد سجَّل لابيت نشاطاتٍ دماغيةٍ قبل مئاتٍ من الميللي ثانية من إظهار المشاركين أي تعبيرٍ بإرادتهم الواعية في تحريكه.

كانت نتائجُ لايبت مثيرةً للجدل. وقال النُّقادُ بأن الساعة ساعدت على تشتيت انتباه المُشاركين، بالإضافةِ لمسألةِ تسجيلهِ للإرادة الواعية التي اعتُبِرتْ غير موضوعية كثيراً لاعتمادها على المؤشرات التي يُظهرها الشخص كإرادة واعية. في العادة، تُحدَّد مُدخلات التجارب التي يُجريها علماء الأعصاب - أظْهِر صورةً في لحظةٍ معينة لأحدهم، وسجِّل تلك النشاطات التي تجري في الدماغ. ولكن عندما يكون المُدخَل هي إرادة المُشارك الواعية لتحريك إصبعه يتم تحديد ذلك الوقت بشكلٍ غير موضوعيّ. بالإضافة لأنَّ النُّقاد لمْ يقتنعوا بأنّ تلك النشاطات التي سجلها لايبت، والتي سبقت القرار الواعي، هي كافية لأنْ تسبَّبَ باتخاذ ذلك القرار - ربَّما ما هي إلاّ استعداداتُ الدِّماغِ لأنْ يُقرِّر ومن ثمَّ يُحرِّك الإصبع.

تُعتبر تجربة هاينز في 2008 تحديثاً لتلك التجربة السابقة: ففي حين لمْ يكن بإمكان التقنية التي استخدمها لايبت (EEG) سوى النظر في منطقةٍ محدودةٍ لدراسة نشاطاتِ الدماغ فيها، يُمكِنَ عبر الـ (fMRI) التي استخدمها هاينز تفحُّص نشاط الدماغ بأكمله؛ وحيث طُلب من مُشاركي لايبت فقط تحديد اللَّحظة التي قرروا فيها التحريك، عرَّضهم اختبار هاينز لخيارين اثنين. ولكنْ للآن يجدُ النُّقاد ثغراتٍ في هذه التجربة، بالإشارة أنّ هاينز وفريقه بإمكانهم التنبؤ بنقرةٍ بالإصبع الأيمن أو الأيسر على المفتاح بدِقَّةٍ تصل إلى 60% بأفضل الأحوال. وبالرغم أنّ هذا يعني أنها ليست مجرد صُدفة، ولكنَّ هذا غير كافٍ للادِّعاءِ أنَّ الدماغ قام بالفعل باتخاذ القرار قبْلَ إدراكِ واعٍ، تُجادل أدينا روسكيز (Adina Roskies) عالمة الأعصاب والفيلسوفة الباحثة في الإرادةِ الحرة في كلية دارموث. وبالإضافة لذلك، "إنَّ كلَّ ما تقترحه الدراسة هو وجودُ بعضِ العواملِ المادِّية تؤثِّر على اتخاذ القرار"، وليس من المفترض أنْ يكونَ هذا أمراً مفاجئاً. فؤلئك الفلاسفة المُلمِّين بالعلم، تُضيف، لا يعتقدون بأنّ هذا النوع من الدِّراسات هو دليلٌ على غياب الإرادةِ الحرة، لأنّ هذا التجارب هي بمثابةِ رسمٍ كاريكاتوريّ لمسألة اتخاذ القرار. فحتى قراراً بسيطاً شكلياً كشربِ الشّاي أو القهوةِ هو أكثر تعقيداً من اتخاذ قرارٍ بالضغط على مفتاحٍ بهذا اليد أو تلك.

يقفُ هاينز مؤيداً لتحليله، وقام بتكرار وتنقية نتائجه عبر دراستَين. وعبرَ استخدامِ تقنيات مسحٍ أكثر دقَّة للدماغ لتأكيدِ دورِ مناطق الدماغ تلك والتي أبرزها في دراسته السابقة. وفي دراسةٍ لمْ تُنشر بعد، طلبَ هاينز وفريقه من المُشاركين في التجربة بجمعِ أو طرحِ رقمين ضمن سلسلة أرقامٍ تظهر على الشاشة. فاختيار إمّا الجمع أو الطرحِ يعكسُ إرادة أكثر تعقيداً من اختيار الضغط على مفتاح، ويُجادل هاينز بأنّ هذه التجربة تُظهر خياراتٍ أكثر واقعية وأقرب لتلك التي نتَّخذها في حياتنا اليوميّة. وحتى خلال هذه المهمة المجردة بشكلٍ أكبر، وجد الباحثون نشاطاتٍ في دماغِ المشاركين تسبق القرار الواعي بحوالي أربع ثوانٍ. يقول هاينز.

بعض الباحثين مضَوا حرفياً للبحث بشكلٍ أعمقَ في الدماغ. أحدهم هو إتزاك فرايد (Itzhak Fried) عالم الأعصاب والجرَّاح في جامعة كاليفورنيا، ومركز تل أبيب الطبي. فقد قام بدراسة المرضى الذين زُرِعَت لهم أقطابٌ كهربائية في أدمغتهم كإجراءٍ جراحيّ لعلاج الصَّرع. لأنّ تسجيلاً مِن إحدى الخلايا العصبية بهذه الطريقة يُعطي العلماء تصوُّراً أدقُّ بكثيرٍ عن النشاطات الدماغية من ذلك الذي تُعطيها تقنية fMRI أو EEG. وقد أظهرت تجاربُ فرايد عن وجودِ نشاطاتٍ في خلايا عصبية ضمن مناطق محدَّدة من الدماغ تسبق القرار الواعي بالضغط على زرٍّ بحوالي ثانية ونصف. وخلال 700 ميللي ثانية قبل لحظة القرار، تمكَّن العلماء مِن التَّنبؤ باللَّحظة التي سيتمُّ اتِّخاذ القرارِ فيها بدقَّةٍ تصل إلى 80%. "في لحظةٍ ما، بعض الأمور المُحدَّدة مُسبقاً يتم تسليمها إلى الوعي،" يقول فرايد، الإرادة الواعية قد تطرأ في القرار في لحظاتٍ لاحقة، يقترح.

مكاسبٌ ماديَّة

يُشكِّكُ الفلاسفة في الافتراضاتِ الكامنةِ بتفسيراتٍ كهذه، "إنَّ أحد الأسباب التي تدفعُ لاستنتاجاتٍ كهذه هو الاعتقادُ أنَّ الإرادة الحُرَّة تتضمَّن بالضرورة جوانب لاماديَّة كالرُّوح و ما شابه"، يقول آل ميلي (Al Mele) الفيلسوف في جامعة ولاية فلوريدا، فإنْ وجدَ علماءُ الأعصابِ نشاطاتٍ عصبية غير واعية تقود لاتخاذ القرار، سيزولُ ذلك المفهوم الشائك الذي ينظر للعقلِ ككينونة منفصل عن الجسد، وكذلك ستزول الإرادة الحرة. تلك (النظرة الثنائية) للإرادة الحرة هي منالٌ سهلٌ لعلماءِ الأعصاب. يقول جلانون. "إنَّ الفصل المُنظَّم بين العقل والدِّماغ يجعلُ من السَّهل على علماءِ الأعصاب إيجاد روابط بينهما"، يُضيف.

المشكلة هي أنّ معظم الفلاسفة الحاليِّين لا ينظرون للإرادة الحرة على هذا النَّحو،  يقول ميلي. فالكثير منهم من المادِّيين - يؤمنون أنَّ كل شيء هو ماديّ، وأنَّ اتِّخاذ القرارات والأفعال هي نتيجة لنشاطاتٍ دماغية. لذا فالعلماء يجادلون في فكرةٍ يعتقدُ الفلاسفة أنَّها غير صحيحة أصلاً.

في وقتنا الحاليّ، يقول ميلي، لا مُشكلة لدى أغلب الفلاسفة في تقبُّلِ أنّ بإمكان الناس اتخاذ قراراتٍ منطقية\واعية في كونٍ حتميّ. وهم يُحاورون في ذلك التفاعل بين الحرية والحتمية - النظريّة التي تقول بأنّ كلَّ شيءٍ هو مُقَدَّرٌ بشكلٍ مُسبق، إماّ عبر القدرِ أو عبر القوانين الطبيعيَّة- ولكنَّ روسكيز تقولُ بأنَّ نتائجَ دراساتِ علماء الأعصاب لا يُمكنها بعد إنهاء القضية. بإمكانهم التحدُّث عنْ توقُّع الأحداث، ولكن ليس لدرجة الحتميَّة. 

وبالإضافةِ لذلك، يوجدُ لدى علماءُ الأعصاب بعضُ الأحيانِ إدراكٌ خاطئٌ لتخصُّصِهم، يقول مايكل جازانيجا (Michael Gazzaniga)، عالم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا. وبالتحديد، يميل العُلماءُ لرؤيةِ النَّشاطات الدِّماغيةِ كخطواتٍ تدرُّجيَّة مُسبقة، واحدةً تلو الأخرى، وصولاً لقرارٍ نهائيّ. ويقترح النظر لتلك العمليَّات على أنَّها تعمل بالتّوازي، في شبكةٍ معقَّدةٍ من التَّرابطات وتحدثُ بشكلٍ مُستمرّ. لذا فالوقتُ الذي يُدركُ فيه المرء ذلك القرار ويعيه ليس بتلك الأهمِّية التي يظنُّها البعض.

معركة الإرادة 

هنالك قضايا مفاهيميَّة (Conceptual)، وأخرى دلاليَّة (Semantic). "ما قد يُساعد بالفعل هو جلوس العلماء والفلاسفة والخروج باتفاقٍ لتحديد ما تعنيه الإرادة الحرَّة"، يقول جلانون. فحتى ضمن الأطرِ الفلسفيَّة نجدُ بأنَّ تعريف الإرادة الحرَّة لا يتمُّ الاتفاق عليه أحياناً. بعض الفلاسفةِ يُعرِّفونها بأنها القُدرة على اتـِّخاذِ قراراتٍ منطقيِّة\واعية دون إجبار. تعريفاتٌ أخرى تضعها في السِّياق الكونيّ: في لحظة اتخاذ القرار، وبالأخذ بالاعتبار كلُّ ما حدث في السَّابق، مع إمكانية الوصولِ لقرارٍ مختلف. آخرون مرتبطون بفكرة وجود "روحٍ" لامادية توجِّه وتأخذ القرارات.

بإمكان علماء الأعصاب المساهمة بشكلٍ مباشر في ترتيب هذه التعريفات، أو إضافة أبعادٍ تجريبيَّةٍ لها. ممَّا قد يوصِلنا لفهمٍ أعمق، وأفضل لما يتضمَّنه الشُّعور بالإرادة الحرَّة، أو تهذيب الرؤى حول ماهيَّة الإرادة الواعية، تقول روسكيز.

يُديرُ ميلي مشروع مؤسسة تمبلتون والذي بدأ بجمع فلاسفة وعلماء أعصابٍ سوياً، "أعتقدُ بأنَّه وبقيامنا بإجراء جيلٍ جديدٍ من الدِّراسات بتصاميمَ أفضل، سنصل لأدلَّةٍ أفضل لما يحصُلُ في الدماغ عندما يقوم الناسُ باتخاذ القرارات"، يقول. بعضُ اللِّقاءات غير الرسميَّة بدأتْ بالفعل. روسكيز، والذي يتم تمويلها عبر البرنامج، تخطِّطُ لقضاء وقتٍ خلال هذه السنة في مختبر مايكل شالدن (Michael Shalden)، الباحث في علم النفس العصبيّ في جامعة واشنطون، ويبحث في آليَّات اتِّخاذ القرار في الدِّماغ لدى الرَّئيسيَّات. "سنجادل بعضنا بكلّ قوَّة حتى يفهم كلانا وجهة نظر الآخر بشكلٍ واضح، ويُقنِع أحدنا الآخر بأنه كان مُخطئاً،" تقول.

هاغارد لديه تمويل من تمبلتون في مشروعٍ يهدفُ فيه لإيجادِ طريقةٍ لتحديدِ الوقت الذي يحدثُ فيه اتِّخاذ القرارَ الواعي والأفعال المُرافقة بشكلٍ موضوعيّ، بدلاً منَ الاعتمادِ على مُخرجاتٍ ذاتيَّة. يقومُ فريقُه بتجهيز طريقةٍ تجريبية، حيث يقومُ عبرها النّاسُ بلعِبِ لُعبةٍ تنافُسيَّة ضدَّ كمبيوتر بينما تتمُّ دراسة نشاطات أدمغتهم. 

مشروعٌ آخر، يُديره كريستوف كوخ (Christof Koch) المهندس الحيويّْ في مؤسَّسةِ كاليفورنيا للتكنولوجيا (The California Institute of Technology)، سيستخدمُ تقنيَّةً شبيهةً بتلك المُستخدَمة بتجربة فرايد، وذلك لتفحص استجابة الجهاز العصبيّ للأشخاص عند قياهم باستخدامِ المنطق لاتِّخاذ القرارات. ويأملُ فريقه أنْ يجدوا مقدار الأهمِّية التي يُعطيها الناس لأخذ العديد من القرارات المُختلِفة.

الفلاسفةُ على استعدادٍ لتقبُّلَ أنَّ علم الأعصاب قد يتمكَّنُ يوماً ما مِنْ نفيِ مفهوم الإرادةِ الحُرَّة. وذلك بتخيُّلِ مسألةِ (يُحبُّ الفلاسفة التخيُّل) يتمكَّن فيها الباحثون على الدَّوام مِنْ توقُّع ما قد يختاره شخصٌ بمجرد قراءةِ نشاطات دماغه، وقبلَ أن يُدركَ الشخص ذلك الخيار. "إنْ ظهرَ وكانت تلك حقيقة، سيكونُ ذلك تهديداً للإرادةِ الحُرَّة"، يقولُ ميلي، ومع ذلك للآن، حتّى أولئك الذين أعلَنوا بشكلٍ سابقٍ لأوانه موتَ الإرادةِ الحُرَّة، يُوافقون على ضرورةِ تكرار تلك النَّتائج على مستوياتٍ متعدِّدة من أشكال اتِّخاذ القرار. فالضَّغطُ على زرٍّ أو القيامُ بلعبِ لُعبةٍ هو أمرٌ بعيدٌ كثيراً عنْ عملِ فنجان شاي، أو التَّرشُّح للرئاسةِ أو ارتكابَ جريمة.

مِنَ الصَّعب تنبُّؤ التأثيرات العمليَّة لإلغاء مفهوم الإرادة الحُرَّة. الحتميّة البيولوجية لا يُمكن أنْ تقف كنقطةَ دفاعٍ قانونية. وعلماءُ القانونِ غير مستعدِّين بعد للتَّخلّي عن مبدأ المسؤوليَّة الفرديَّة. "إنّ على القانون أنْ يكون مبنيّاً على مبدأ أنَّ الناسَ مسؤولون عن أفعالهم، باستثناء الظُّروف الاستثنائيِّة"، يقول نيكولاس ماكنتوش (Nicholas Mackintosh)، الذي يُدير مشروعاً حول علم الأعصابِ والقانون في الجمعيّة الملكيّة في لندن.

أوين جونز (Owen Jones)، بروفيسور القانون في جامعة فاندربيلت (Vanderbilt University) والذي يُديرُ مشروعاً مشابهاً مُموَّلاً من مؤسَّسة ماك آرثر (MacArthur Foundation)، يقترحُ أنَّ البحث قد يساعدُ في تحديد مستوى مسؤوليَّة الفرد. "إنَّ ما يُثير اهتمامنا هو ذلك التصوُّر  متعدِّد الأوجه الذي بإمكانِ علم الأعصاب إيصاله لنا عن اختلاف قدرات الناسِ في السَّيطرةِ على سلوكهم"، يقولُ جونز. فذلك قد يؤثِّر على حِدَّة العقوبة، على سبيل المِثال.

وقد تؤدِّي النتائج في النِّهاية على التَّأثير على سُلوكِ الأفراد. كاثلين فوز (Katheen Vohs) أخصَّائيَّة علم النفس الاجتماعيّ في جامعية مينيسوتا (University of Minnesota) وزميلها جوناثان سكولار (Jonathan Schooler) أخصّائيّ علم النفس حالياً في جامعة كاليفورنيا (University of  California) نشرا دراسةً حول كيفية سلوك الناس عند علمهم أنَّ الحتميَّة هي حقيقة. حيث طلبا من المُشاركِين قراءةَ فقرة من اثنتين: إحداهما يطرحُ فكرة أنَّ سلوكنا يرجع لعواملَ بيئيَّةٍ أو جينيَّة، وليس بمقدورنا السَّيطرة عليه؛ والأخرى حياديَّة حول السُّلوكيات التي تتأثرَّ بالعوامل الخارجية.  ومِنْ ثمَّ قام المُشاركون بإجراء اختباراتٍ حِسابِيَّة على جهاز حاسوب. وقبلَ بدء الاختبار، تمَّ إبلاغهم أنَّه ولمشكلةٍ تقنيَّة في الحاسوب ستظهر النتائج على الشاشة إثراً للمشكلة؛ وإن حدثَ ذلك، عليهم النَّقرُ على الإجابة لإغلاقها دون إمعان النَّظر.

وقد كانت فرصة أؤلئك الذين قرؤوا الرِّسالة الحتميَّة أعلى  للغشِّ في الاختبار، وذلك بأخذ الإجابة عبر رسائل المشكلة التِّقنية المُفتَعلة. "ربَّما يكون إنكار الإرادةِ الحرَّة العُذرَ الأقصى ليتصرَّف الفرد كما يُحبّ"، فوز وسكولر يشرحان.

إنَّ تجاربَ هاينز والعواقبَ المُرتبطة المُتوقَّعةَ منها كان لها الأثر على كيف طريقة تفكيره. يذكُرُ أنَّه كان على طائرةٍ في طريقه إلى مؤتمرٍ ولحضور عيد الغطاس (Epiphany)، "وفجأةً أصابتني تلك الرُّؤية الكبيرة حول الكونِ الحتميّ بأكمله، حول نفسي وحول مكانتي فيه، وجميع تلك اللَّحظاتِ التي نظنُّ فيها أننَّا نقوم بالاختيار، كلّ ذلك مجرَّد انعكاسٍ لتيّارٍ غير ثابت". ولكنه لم يستطع الاحتفاظ بذلك التصوِّر للكون الخالي من الإرادة الحُرة لفترة طويلة. "حالما تبدأ بتحليل سلوكِ الناس خلال حياتك اليوميَّة، سيكون من المُستحيل عليكَ نظرياً التَّمسك بذلك التَّصوُّر لفترةٍ طويلة"، يقول.

فرايد، أيضاً يعتقدُ أنه من المُستحيلِ الإبقاء على الحتميَّة في وعيه طوال الوقت، "لا أُفكِّر في ذلك كلَّ يوم، وبالتأكيد لا أفكِّر في ذلك عندما أقوم بعمليَّةٍ لدماغ أحد".

يأملُ ميلي من الفلاسفة الآخرين أنْ يلمّوا بالعلوم المتعلِّقة بالإرادةِ الواعية. وحيث تقبع مباحث الفلسفة، يقول بأنَّ بإمكان العلماء عمل الكثير إن لطَّفوا من موقفهم. "وذلك ليس بدرجة صُعوبة المهام التي يقوم بها عُلماء الأعصاب الذين يعملون على الإرادة الحرَّة ويُحاولون إظهار عدمَ وجودها".

مواضيع مرتبطة:

* بحال وجود أخطاء لغوية أو مطبعية، أخطاء في الترجمة أو أي نصائح أخرى؛ يُرجى مراسلتي على (alaa @ falsafat.net).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق