2009/10/22

التطور البيولوجي.. كم هو غبيّ!


التطور البيولوجي.. كم هو غبيّ!
قارئ من بعيد: أما زلتم تتحدثون عن التطور؟

حسناً.. يُرجى مراعاة أن الموضوع هو مجرد فضفضة حول التطور البيولوجي وليس حول الأدلة العلمية عليه بل حول (التطور) ذاته، فلسفة ورؤى شخصية حول المسألة برمِّها وددتُ مشاركتكم بها.



بخلاف معظم الكُتب العلمية والبرامج الوثائقية التي تتحدث عن التطور، والتي تصفها بالعبقرية والجمال والحتمية والعديد من الصفات الأخرى، مثل كتاب داوكنز "The Greatest Show on Earth" الذي صدر مؤخراً، حيث يصف التطور طبعاً بالعرض الأروع. في الحقيقة؛ لي منظورٌ مختلف قليلاً.


عندما ننظر لتاريخ التطور البيولوجي، مُنذ بدء الحياة بأشكالها البسيطة قبل أكثر من 3 بلايين سنة، تكاثر هائل، عوامل بيئية مختلفة، طفرات وعزلة جغرافية، اننتقاء طبيعي، كائنات جديدة، عوامل بيئية مجدداً طفرات عُزلة جغرافية، انتقاء طبيعي أيضاً..، إلى أن وصلت الحياة بكامل هذا التنوع البيولوجي وأشكالها المختلفة، هو نظام طبيعي رائع – إن صحَّ القول- يسير تلقائياً بمجرد تطبيق القوانين الطبيعية، وعبر ذلك النظام ظهر الإنسان ليتمكن بعد كل هذا من دراسة الإرث البيولوجي على هذا الكوكب، وتلخيصه في بضعة أسطر على موضوعٍ إلكتروني. (تذكرتُ فيلم Adaptation هُنا). ما أقوله هو أنه عبر التطور وصلنا لوجود الإنسان بكل طاقاته وبحثه العلمي الشغوف لفهم ما جرى وملايين أنواع الكائنات الأخرى التي تعيش معه جنباً إلى جنب.. للآن الأمر جيد.

ولكن؛ عند النظر إلى الأحداث خلال بلايين السنين تلك من التطور، ومقارنة النتاج التطوري مع ما استطاع الإنسان تدميره والقضاء عليه خلال بضع آلاف السنين؛ أقول ما هذا الجنون والعبثية! فالإنسان تسبب في انقراض المئات من الكائنات، حرق الغابات وقطع الأشجار، استنزف موارد الأرض ولوَّثها ليساهم بذلك بتدمير عددٍ أكبر منها حتى بشكلٍ غير مباشر، ولكن كل ما سبق لا يعني الكثير مقابل تماديه في جهله وغطرسته وتكبره ليقتل الحياة بشكلٍ جماعي عبر حروبه، بل وصنع أسلحةً فيها من القوة لن تقتله هو فحسب، ككائن "الإنسان"، بل قادرة على قتل معظم أشكال الحياة المعقدة على هذا الكوكب وربما على مستوى الكون كله، فلا نعرف للآن إن كانت هناك حياة في أماكن أخرى في الكون. أي باختصار، عجلة تطور سارت لملايين السنين لإيصالنا هنا حيث بيدنا القدرة على هدم كل ذلك المجهود وإعادة العجلة ملايين الخطوات للوراء.

ربما لم أكن حيادياً وعادلاً، فأنا أُعامل الانتقاء الطبيعي في الموضوع كخيار عاقل وغبي ليتسبب في قدوم كائن قد يُدمِّر إنجازاته في كل تلك السنين التي مضت؛ مع أنّ الانتقاء الطبيعي هو طبيعي بالفعل، فالبقاء هو فقط للأنسب وليس هناك اختيار حقيقي بل مجرد طبيعة تسيِّر الطبيعة. مما يحسن الصورة قليلاً.

ولكن ذلك لا يُزيل الأزمة والعبثية التي تعتري الأمر بأكمله، والمشكلة أننا نعامل الكوكب كمزرعة لنا نحن البشر، والكائنات الأخرى كأملاك شخصية لنا، كل هذا وندَّعي أن أخلاقنا وفلسفتنا هي معايير مُثلى تفصلنا عن باقي الحيوانات التي تعمل بغرائزها الدونية، تفصلنا وتميزنا عنها. في الحقيقة؛ ولستُ متأكدأ من أفضل صيغة لهذا التعبير لإيصال المعنى المطلوب، ولكني أعتقد أنه بالمقارنة العادلة بين الغرائز الطبيعية وما استطاعت الحفاظ عليه خلال سنين التطور أجمع تلك، ومقارنتها بالفكر والفلسفة الإنسانية الناتجة في العشرة آلاف سنة الماضية والتي وصلنا عبرها لاحقاً لكل هذا الدمار والحروب وقتل الأخضر واليابس؛ عند المقارنة العادلة ستفوز الغريزة بالتأكيد.

ستفوز حينها الغريزة كمعيار أخلاقي وعادل يفوق كل الفلسفات والفكر الإنساني، ولكن طبعاً من عدسة الناظر الخارجي لهذا الكوكب وليس الحكم الإنسان الذي يرى أمامه فقط من نظاراته التي تُريه مصلحته فوق كل شيء، قد تحتوي على بنودٍ "لا إنسانية" ولكنها أصلاً لا إنسانية، فهي أرضية مبنية على مستوى أوسع من الإنسان، وقد نجحت في الحفاظ على الكوكب والحياة بشكلٍ مؤكد، ولم نصل نحن إلا للتقدم ككائن على حساب كل شيء آخر، والذي بات ينعكس على تهديدٍ للوجود الإنساني حتى المتأثر بالتلوث وشح الموارد.

بالرجوع للغرائز، لن تكون أية قيمة لحفنة الأوراق الخضر في جيب الفرد، ولن يستطيع بها بناء سورٍ حول قطعةٍ من الأرض مُدعياً أنها أصبحت ملكه، ولن تشتري له صندوقاً معدنياً متحركاً ينفثُ الأسود في السماء، حينها لن نأكل سوى ما اصتدناه، ولن نصتاد إلا حينما نجوع. سيكون البشر في نظامٍ كهذا قِلّة، ولكن أشكال الحياة ستكون أكثر.

طبعاً، الموضوع ليس دعوة للعودة للغريزة أو محاربة للفكر والأخلاق والفلسفات الإنسانية، هو مجرد محاولة لتقييم الإنسانية بشكلٍ عادل وعدم منحها أكثر مما تستحق، فالنظام الأخلاقي الإنساني وبالإضافة للعديد من تناقضاته ونواقصه؛ هو في أفضل الأحوال صالح على مستوى البشر وبكل تأكيد فاسد للغاية على مستوى الحياة ككل. وإن كانت أمامنا عينة دراسة (كوكب آخر مثلاً لا نعرف الكثير عنه، سوى ملاحظتنا لكائن مهيمن يستنزف كل ما أمامه ومُدعياً أنه الكائن الأخلاقي والمثالي في ذلك الكوكب)، سنرى زيف تلك الادعاءات بوضوح.


علاء البنا

هناك تعليقان (2):

  1. انت عم تخلط بين الغريزة وبين انعدام الأخلاق
    الأخلاق هي نتاج تطوري طبيعي وتطورت ونشأت مع تطور الكائنات
    العمل الجماعي للنمل ومبدأ اعمل الآن واسترح لاحقا
    الهيكلية الطبقية لجماعات الثدييات العليا
    محاكم الغربان
    كلها أمثلة عن تطور قوانين حاكمة لهذه الجماعات طبيعيا

    ردحذف
    الردود
    1. أهلاً بك في هذه الزاوية المنعزلة عن العالم الخارجيّ.

      بدايةً أودّ التنويه بأن الموضوع ليس متعلقاً بمسألة الأخلاق بحد ذاتها في مواجهةٍ مع الغريزة؛ بل بالنتاج الفكري الإنساني بالمُجمل في مواجهة الغريزة.

      ولإزالة أيّ خلطٍ في المفاهيم:
      - كلّ كلمة "إنسانيّ" أذكرها هنا في هذا الموضوع أو الرد لا أعني بها المعنى الاصطلاعي للمفردة بل المعنى الحرفيّ لها. فلا أقصد "الإنسانية" كمفهوم أو أيديولوجيا فكرية (Humanism) بل الأفكار والنتاج الفكري الذي أنتجه الإنسان.
      - عندما أميز بين الأخلاق أو الأفكار والفلسفات الإنسانية مثلاً (بحسب السياق السابق) وبين الغريزة الطبيعية فأنا لا أزيل صفة الطبيعية والغريزية عن الأخلاق والفلسفات فهي بالطبع نتاج طبيعي تطوري.. إلخ، ولكنني ألقي الضوء هنا على إنسانيتها كما بإمكاننا مثلاً إطلاق صفة (الفيلية) على الأفعال التي بإمكان الفيل القيام بها باستخدام خرطومه في مقابل الصفات الغريزية فيه والتي يتشارك بها مع الكائنات الأخرى غير الفيلة.

      وبالرغم من وجود كائنات أخرى تمتلك الخرطوم وتستفيد منه بشكلٍ يُشبه استفادة الفيلة منه (كخنزير الأرض مثلاً: Aardvark)، ولكن هذا لا يعني أنّ ليس بإمكاننا جمع تلك الصفات (المميزة) التي بإمكان الفيلة القيام بها باستخدام خرطومها بالإضافة لميزات الفيل الأخرى وجمعها باسم (الصفات الفيلية) التي تميزه عن الكائنات الأخرى.

      وهذا ما عنيته بالصفات الإنسانية، وحتى وبوجود كائنات أخرى قد تتفاعل بأشكالٍ مُبسطة أو مُقاربة للمفاهيم التي نُطلق عليها "الأخلاق"، ولكنني أتحدث عن تلك الإنسانية فقط! وهي التي تهمني هنا في هذا الموضوع. فتلك الصفات الإنسانية من نمط حياة وفكر وعلم وفلسفة وأنظمة اقتصادية واجتماعية مختلفة ومرتكزة على فكرة أنّ الأرض إرثٌ لنا وما فيها.. هي ما أوصلتنا لما وصلنا له من تدميرٍ واستهلاكٍ للكوكب.

      عموماً، الموضوع ليس حرفياً بشيء، كان فضفضة تلت الشعور باليأس من الإنسانية. احتدّ بمتابعةٍ غير مقصودةٍ للأخبار وبعض البرامج التلفزيونية.

      حذف