2008/05/20

عالم سبينوزا - دراسة في الفلسفة الحتمية

عالم سبينوزا
(دراسة في الفلسفة الحتمية)

تحية.

سأحاول في مقالتي تقديم شرحٍ مسبط حول الفلسفة التي تبناها سبينوزا الفيلسوف الهولندي كمنظور فلسفي في القرن السابع عشر، والعالم المعروف أينشتاين كمنظور علميّ فيزيائي والعديد من العلماء والفلاسفة.

الفلسفة الحتمية:

كل ما يحدث في هذا العالم يحدث لسبب –سبب وليس غاية- وهو في ذات الوقت مُسبب لأحداث أخرى. وأي أن كل مافي هذا الكون يتبع القوانين الكونية وهو جزء من سلسلة غير منقطعة من الأحداث المرتبطة، وهذا يشمل الإنسان بكل تأكيد، جزء من المنظومة الكونية.

من أشهر الموضوعات التي تدرسها الفلسفة الحتمية هي حرية الاختيار التي تنفيها هذه الفلسفة وتعتبرها وهماً غير ممكن وجوده، بالإضافة إلى وحدانية وجود هذا الكون واستقلاليته، دون الحاجة لأي مؤثرات خارجية لتسييره.

وقد ظهر العديد من الفلاسفة ممن يُعتبر فكرهم الفلسفي ضمن الفلسفة الحتمية، من أشهرهم: عمر الخيام، باروخ سبينوزا، ديفيد هيوم، وحديثاً دانييل دانيت.


الحتمية والعلم

العلم مبني أصلاً على الملاحظات المتكررة للظواهر في هذا العالم، مما يحتم وجود استقرار فيه، فهناك توافق شبه كامل بين الفلسفة الحتمية والعلم، حيث تفترض معظم القوانين العلمية الوجود المادي لهذا العالم، وبأن لجميع الأحداث سبب وعلة منطقية.

فبالإمكان مثلاً تنبؤ موقع لكوكب ما بعد 100 سنة بشكل دقيق للغاية.  وافتراض حالة مركب كيميائي ما بإضافة أحد العناصر فيه أو الظروف  المحيطة.
تمكن العلماء من الصعود ليس فقط إلى القمر بل إلى إرسال مركبات فضائية تخطت المجموعة الشمسية ككل، كل هذا بافتراض حتمية في هذا العالم.

بشكل عام، تعتبر الفلسفة الحتمية من أكثر الفلسفات توافقاً مع العلم، ومن أشهر من تبنى هذه الفلسفة من علماء كان أينشتاين، فقد بنى نظرياته متأثراً كثيراً بفلسفة سبينوزا ونصوصه، وحتى في الكثير من الأحيان في وصفه للكون ككل.

وتتوافق مع النظريات الرياضية مثل نظرية الفوضى (Chaos Theory) وغيرها، ولكنها -الفلسفة الحتمية- لا تتوافق مع الفيزياء الكمية التي تفترض عشوائية في هذا العالم في تفسير حركة الجسيمات المكونة للذرة.

وهم حرية الاختيار

قد تبدو الفكرة غريبة بعض الشيء، فنفي حرية الاختيار يتناقض بشكل واضح مع الفكر السائد ثقافياً، ويتناقض مع الفكر الديني، والاجتماعي ومع حس الفرد أيضاً، كيف يمكن لفكرة كهذه أن توجد؟

نفي حرية الاختيار، يفتح أمام القارئ أسئلة عديدة حول الأخلاق، والمسؤولية القانونية، حول معنى الإنسان ذاته والحياة.

قد يتساءل القارئ، كيف يمكن أن تكون حرية الاختيار وهماً –خصوصاً على مستوى الإنسان- بالرغم من أن جميع الأدلة الظاهرة تثبت عكس ذلك، فالإنسان يمشى في الوقت الذي يرغب، يتحدث يأكل ويشرب. يرغب في هذه اللحظة تماماً أي يضغط هذه المفتاح تماماً من لوحة المفاتيح أمامه، وبالإمكان التفكير بعدد لا نهائي من الأدلة على نفي ذلك الافتراض –الافتراض بوهم حرية الاختيار-.

ولكن وبحسب الفلسفة الحتمية، الأمر ليس بهذه البساطة. فالفهم الصحيح للأمور يتطلب من المرء النظر أبعد قليلاً من تلك النظرة المباشرة للامور.

فإن رأينا كرة تتحرج على سطح مائل. هل من الصحيح افتراض أن هذه الكرة تمتلك حرية الحركة؟  الإجابة ببساطة ستكون لا، لأننا نعلم مسبقاً بأن هناك سبب واضح كان المؤثر أدى لتلك الحركة. سواءاً الدفعة  البدئية، والجاذبية الأرضية.. وإلى ما ذلك من أسباب.

وإن رأينا شجرة خضراء مثمرة، في حقلٍ معظم نباتاته جرداء، نجد حينها أن السبب في ذلك يعود لأشعة الشمس المعرضة لها، أو بنوعية التربة، أن نوعية النبتة ذاتها وقدرتها على البقاء والنمو. أياً كان السبب؛ في النهاية نعلم وجود سبب ما أدى بتلك الشجرة لأن تصبح مختلفة عن غيرها، وندرك تماماً بأن اختلاف هذه الشجرة لم يكن اختياراً حراً منها.

ولكن المشكلة تبدأ عندنا نحن البشر، لأننا نحن هنا تلك الشجرة، ونحن تلك الكرة.
فينا من الشعور ما يخبرنا بأننا من يريد التدحرج بهذه الزاوية تماماً وبهذه السرعة والمكان، بأننا نحن من يختار النمو بهذا الشكل، بأننا نحن من أراد كل ورقة بالتوجه لتلك الزاوية.

عزيزي القارئ، أعد النظر لخياراتك الحرة التي قمتَ بها خلال هذا اليوم، ولكن هذه المرة انظر بشكل أعمق قليلاً، بإدخال الأسباب والظروف التي أدت لتوجيهك لهذا الخيار وليس ذاك، وبعد ذلك سل نفسك السؤال ذاته، هل بالفعل كنتَ حرّاً؟

الحرية وما حولها

للآن، قد تكون بعض المفاهيم مبهمة وغير واضحة بشكل كافي، لذلك، سأضع في هذا الجزء بعض الأمثلة التوضيحية.

للحرية (وأقصد بالتحديد الاختيار الحر) العديد من المعاني، ولكن أشهرها: هي تلك الملكة والقدرة على فعل الاختيار المسؤول دون تأثير خارجي.

ما هو مقدار الحرية في الحالات التالية:
- رجل أُجبر على فعل جريمة تحت تهديد السلاح؟
- جندي نفذ أمراً عسكرياً؟
- زوجة مطيعة أجابت طلب زوجها (أو العكس)؟
- صديق مخلص في مساعدته لصديقه؟
- والدٌ فقير، يسرق لإطعام أطفاله.

بالتأكيد الحالات السابقة تتدرج وتختلف في مقدار المؤثرات المباشرة والغير مباشرة على القرار، ولكنها أمثلة متعددة تهدف كلها لإظهار أن الفرد هو في النهاية جزء من العالم!

ليس صحيحاً النظر للفرد على إنه كيان مستقل عن هذا العالم، فهو ليس كذلك. فإمكانياته (القدرات الداخلية) وخبراته (المهارات المكتسبة) كانت بالكامل من هذا المحيط، وهذا يشمل حرفياً كل ما يجعل الفرد فرداً، فالقدرات الشخصية هي موروثة من الأبوين، والمهارات المكتسبة كانت نتيجة للتعامل مع العالم. وبجمعهما تُخلق أنا الفرد.

ما أود قوله، أنه بالنظر إلى قراراتنا التي نظن أنها حرة، سنجد بأنها كانت نتيجة حتمية لسلسلة غير منقطعة من الأسباب التي أدت لهذا القرار وليس آخر.

- نحن ننفي المسؤولية والحرية إذا كان القرار تحت تأثير السلاح، أليس كذلك؟ لماذا؟ بالفعل لماذا تماماً؟
سأجيب، لأن السلاح، كان له تأثير واضح ومباشر على القرار المفترض، مما ينفي مسؤولية وحرية الرجل في فعله.

- وكذلك الأمر العسكري، فالجندي لم يكن حراً حين نفذ الأوامر العسكرية، ولكنه هو من أنه هو من خطى ونفذ دون سلاح مباشر. أليس كذلك؟

- ماذا عن الزوجة؟ هنا تصبح الأمور أكثر هلامية أليس ذلك؟ فلم يعد الصورة أبيض وأسود، وظهرت تفاصيل وألوان متعددة، فالزوجة في النهاية قامت بعملها دون تهديد مباشر، ولكنها وسواءاً لحبها لزوجها أو لعدم الرغبة في إغضابة، قامت بذلك العمل. تماماً كما الصديق في السؤال الذي يتبع.

- ماذا عن الرجل الذي يسرق لإطعام أولاده؟ حاول تتبع قصته، ستجد بأن سرقته كانت محتومة تماماً، صحيح أنه لم يكن تحت تهديد سلاح كما الأول، ولكن السلاح لم يكن هو السبب في المثال الأول، ولكن الضغط الذي شكله السلاح كان مؤثراً قوياً في إخضاع الرجل وانطياعه للتهديد، وهذا كان هو  الحال بالنسبة للسارق، فقد كانت ضغوطات الحياة مؤثرة كافياً لإرغامه على السرقة.

إن المؤثرات ليس بالضرورة مؤثرات سلبية، فقد تكون أي شيء سواءاً حب، رغبة، سعادة، كراهية، غضب، عدم معرفة. أيُّ أمر قد يدفع الفرد للميل لهذا الاتجاه، بما في ذلك القدرة الذهنية والجسدية، أو ربما هرمونات إضافية بالدم، أو عنف موروث أو شكل جميل أو قبيح.
  
الأخلاق والقانون والعلاقات الاجتماعية

ما سبق يطرح العديد من الأسئلة، فإن لم يكن القاتل حراً، ما ذنبه؟
إن كان العالم يسير بكل هذه الحتمية فهذا ينفي كلٌ معنى وهدف وكل قيمة أخلاقية، أليس كذلك؟

بداية، بالفعل، العالم الحتمي (وبحسب منظوري الخاص جداً) أرى أنه يتنافى مع القيم الأخلاقية ويُزيل جميع المسؤوليات الأخلاقية عن الأفراد، سواءاً بأفعالهم النبيلة أو السيئة.. لأن ذلك الفعل لم يكن باختيار فاعله، ولم يكن الفاعل سوى القالب الذي يقوم بالفعل.

ولكن هذا لا ينفي المسؤولية القانونية والاجتماعية.
فالجزاء القانوني مثلاً واجب، لأن تجريم السارق مثلاً سيخلق فيه تجربة وخبرة إضافية تضاف لمعرفته وخبراته، لتفيد بأن هذا الفعل سيؤدي به إلى السجن أو الحبس أو العلاج  النفسي.

والفعل الحميد أيضاً يجب تشجيعه بالمحفزات والجوائز، لخلق تلك التجربة في الفرد والتي تساعد على تكرار هذه الصفة.

أما بالنسبة للثواب والعقاب الأبديين، فأرى بالتأكيد بتناقضهما مع الحتمية، فبما أن الإنسان غير حر وغير مسؤول أخلاقياً عن أفعاله فلن يكون هناك معنى للثواب والعقاب الأبديين؟

فالمسؤولية القانونية والاجتماعية تهدفان إلى تشجيع فعل معين وإزالة أفعال أخرى، وذلك للحصول على مجتمع أكثر تحضراً وتماسكاً في المستقبل. وهذا مختلف تماماً عن الجزاء الأبدي.

خاتمة

قد يبدو العالم الذي أصف رمادياً لا معنى له، وخالٍ من الإنسانٍ بالفهوم الذي نعرف. ولكنه ليس كذلك بالضرورة.

فنظرة كهذه للعالم، ستخرج صاحبها من كبرياء الأنا، لتضعه في مكانته الصحيحة، جزء بسيط من هذا الوجود الهائل.

إن النظر إلى عالمٍ حتمي كهذا، سيخلق تصالحاً مع الذات، ومع العالم، بأن ما أنا عليه كان بالإمكان أن يكون غير ذلك، بأن ما أنا عليه الآن كان نتيجة لملايين الأسباب التي تراكمت وتسببت في ذلك.

ستتضاءل حينها الهوية والعرق والمواطنة والإقليمية، وستختفي جميع الحدود المشخصنة، وبكل هدوء وتواضع .. يطفو الوعي الإنساني والكوني بشكل تدريجي، ومجرد.. ليأخذ زمام الأمور.

علاء البنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق