2008/04/01

أنا أمامك، لماذا لا تراني؟


أنا أمامك، لماذا لا تراني؟
الكاتب: صديق لي

الموضوع طويل جدا و مراعة مني لهذا فقد قمت بتظليل اجراء منه باللون الاحمر، اعتقد انه يمكن قراءتها على حدة كملخص مختصر.
(الموضوع مقسم الى جزئين و خاتمة قصيرة(

اليوم ساتحدث عن موضوع اظن انه لم ياخذ حقه من النقاش (حتى على صعيد النقاشات السطحية) و هو "الوعي الانساني". انا شخصيا اجد ان "الوعي" ظاهرة ممتعة للملاحظة، حتى اني في كثير من الاحيان كنت اجلس و استرجع ما مر بي من احداث خلال اليوم و الاحظ ردود فعل "الوعي" عندي تجاه مختلف المواقف. و قد سبق ان ذكرت في المنتدى ان "الوعي" الانساني يستطيع التحايل لتجنب مواجه العالم "الحقيقي" و هو في الواقع ميال نحو هذا "الهروب". اود هنا ان اتحدث بشكل ملموس اكثر عن ظاهرة "الوعي" و طبيعتها.

اذا اردنا ان نعطي الوعي الانساني حقه، و بالتالى نقدر قيمة البحوث التي تناولته، يجب ان نلتفت الى مسالة مهمة وهي ان الوعي عند الانسان ليس "سلبيا" كما يبدو للوهلة الاولى.
لا يمكن القول بان "الوعي" مجرد كشاف ضخم يضيء العالم من حولنا. رغم انه يفعل ذلك إلا انه أيضا يعطي "معنى" للعالم، فأنت حين تنظر حولك لا ترى الاشياء كما هي فقط، انت ترى "معاني" الاشياء.
اذا نظرت الى الشمس و نظر اليها رجل بدائي فهل يرى كلاكما نفس الشيء؟
ليس بالضرورة، فالبدائي قد ينظر للشمس و يرى فيها الهه، بينما انت ترى نجما.
حين تنظر الى طاولة مثلا فانك ترى الطاولة "كاداة" لها استخدام معين.
انظر الى قلم حبر جاف تعلم انه فارغ و لا يمكن الكتابة به، ماذا ترى؟
انظر الى قلم اخر يصلح للكتابة به، هل تراه بنفس الطريقة؟

قد تنظر إلى القلم "الفارغ" و ترى فيه شيئا غير قابلا للاستخدام، و لو سالت نفسك "ماذا استطيع ان افعل به الان" سيبدو لك القلم و كانه شيء غير "مفهوم" لانه لم يبقى له "هدف" واضح.
إذا الوعي يرى في القلم "معناه" (بالنسبة لنا) او "وظيفته". بالتالي، عندما يصبح القلم فارغا، يفشل الوعي في اعطائه المعنى المعتاد فيبدو القلم نوعا ما "ضبابيا" (فهو قلم و ليس قلم). هذه الضبابية تختفي ما ان نجد "وظيفة" اخرى للقلم، كأن تستخدمه في اصطياد الذباب (ربما كان القلم مثالا سيئا، فلم استطع ان اجد له أية وظيفة اخر معقولة). الان لو كان القلم "الفارغ" هدية من شخص تحبه، القلم ما زال لا يصلح للكتابة، لكن هل سيكون لذلك نفس التاثير السابق؟ لا اظن.

لنعود الى ما ذكرناه سابقا من ان الوعي قادر على "التحايل" بهدف تجنب "مواجه" العالم. اتوقع ان الفكرة ليست مبهمة كما كانت في بداية الحديث. بما ان الوعي يعطي "المعنى" فان الوعي قادر على تغير "المعنى" المعطى للاشياء. اذا يستطيع الفرد التهرب (و لو ظاهريا) من اية حقيقة تبدو له غير محتملة. اقول "و لو ظاهريا" لان بعض ما نحاول التهرب منه نكبته من الوعي المباشر الى "العقل الباطن" لنكه يبقى هناك و يؤثر فينا.

لناخذ مثالا على تهرب الوعي، و المثال اظن اني قراته في "الوجود و العدم" لسارتر:
طفل و في يديه لعبه.
الطفل مستمتع في اللعب.
تعطلت اللعبة.
حاول الطفل اصلاحها و لم يستطع.
اصابه الغضب.
القى اللعبة بـ"لا اهتمام" و ابتعد.
ما الذي حصل هنا.

اللعبة كانت شيء يرغبه الطفل، لكنها تعطلت. حاول اصلاحها، لكن "العالم" لا ينصاع لرغباتنا. فشل الطفل في اصلاح اللعبة. النتيجة: ماساة بالنسبة للطفل. الحل: "انا اساسا لم اكن احب هذه اللعبة". نعم، هذا هو الحل: غير الوعي المعنى المضاف الى اللعبة فصارت غير ذات قيمة. لذا القاها الطفل بـ"لا اهتمام" و ابتعد. "الغش" واضح هنا، تم تعديل "العالم" بما يتناسب مع رغباتنا. نستطيع التاكد من "ازدواجية" المعايير (التي مارسها الوعي هنا) بطريقة بسيطة: لو اصلحنا اللعبة و اعدناها للطفل ستجده اظهر "اهتماما" مرة اخرى و عاد للعب.

بعض الاشخاص يمارس هذه الازدواجية (او الغش) عن دراية سابق اصرار. قال لي احد المومنين ان الحياة لا تحتمل (بالنسه له) بدون وجود الاله و انه سيقتل نفسه ان كان الله غير موجود. نفش الشخص اضاف انه لا يمكن للظالم ان يموت و يذهب دون عقاب، اذا فلا بد من إله.

الموضوعية و تحييد الذات امر مهم جدا في حياتنا كلها. لانه بدون تحيد الذات يصبح الوعي اداة نستخدمها لالصاق ما "يناسبنا" من معاني للعالم. بالتالي قد نحيا و نموت دون ان نبصر و لو لمرة واحدة، لاننا طوال الوقت نرى في العالم ما نريد نحن ان نراه.

من الامثلة الاخرى (و المهمة): الشعور الكاذب بالامان.
عندما نسمع عن تحطم طائرة او عن شخص مدخن اصيب بالسرطان او ثالث مات في حادث سيارة مثلا، فاننا دوما نعتقد ان هذا ما يحدث للاخرين فقط، وا انه لا يحدث معنا. عندما نتحدث عن الموت، كلنا يعرف انه سيموت (في اية لحظة) لكن عند الكل "قناعة" بان ذلك لن يكون اليوم، او حتى في اي يوم قريب، انما سيكون في الغد البعيد. هذا الشعور الكاذب بالامان يعد عائقا حقيقيا امام نمو الفرد الذاتي لانه يمنع ظهور و تطور "الوعي الوجودي" عند الانسان ("الوعي" على فكرة "غيابي" من العالم، اي الموت، يؤدي حتما الى "وعي" على مسالة "حضوري" في العالم او "وجودي").

اتضحت الفكرة بما فيه الكفاية و السؤال الان هو الى اين يقودنا هذا الحديث؟
يقودنا للمجتمع.

نحن نحيا في تجمعات انسانية، هذا التجمعات قامت بترجمة العالم المحيط (اقصد بترجمة العالم اعطاء المعاني للاشياء في العالم)، اذا نحن نولد في عالم "قيمه" اخرون قبلنا ثم يبدأ المجتمع بتعليمنا "معاني" الاشياء، فهذه اختك و اختك لانها من ام و ابو ابوك من كان سبب تكوينك هو و امك…الى اخر القائمة.

اذا هناك الاشياء و هي موجودة خارج الذات الانسانية و هناك "ترجمة" الانسان للعالم و محتوياته و هذه تنتج منا نحن و تستمر فقط باستمرار الذات الانسانية. المشكلة الحقيقية في كل هذا تظهر حين تختلط الامور على الفرد فيظن ان "المعاني" التي اضافها الوعي للعالم هي خارجة عنه (أي انها اصلا جرء من العالم).

مثال سريع على ذلك هو "الزنا". الفعل الجنسي في العالم الحقيقي او العالم المجرد هو فقط نشاط انساني، في مرحلة من تاريخ البشر (بغض النظر عن الاسباب) قامت جماعة بشرية بالصاق "معنى" محدد للفعل الجنسي فكان الفعل الجنسي في اطار "الزواج" (او مباركة الاله) و الفعل الجنسي في غير ذلك الاطار او "الزنا".

العالم الحقيقي او المجرد لا يتغير بوجود الانسان او بدون وجوده. الاشياء هي نفس الاشياء، فالعالم لا علاقة له "براسي" او "راسك" و ما يدور فيها. لذلك فان الزنا غير موجود في العالم. الزنا شيء غير حقيقي. عدم ادراكنا لهذا الفرق بين العالم و ما نضيف نحن للعالم يخلق مشكلة في نمو الفرد على الصعيد الذاتي. لا يوجد في العالم الحقيقي "انسان"، يوجد كائنات حية (و منها ذلك الحيوان الناطق). لا يوجد في العالم الحقيقي "خير و شر"، يوجد فقط احداث او افعال (قلت في مكان سابق ان ما يعرف بحقوق الانسان و الذي نعتبره بالنسة لنا كبشر شيئا يدل على الرقي هو في الواقع امر "مضر".

ضرره يكمن في انه يكفل البقاء لكل "العينات" الانسانية. و هذا لا يتماشى و قانون الانتخاب الطبيعي. اذا نحن نعيق عجلة التطور الطبيعي).

قبل الانتقال الى القسم الثاني من المقال لنلخص ما سبق في 3 سطور:
الوعي ليس سلبي. الوعي "يقرا" العالم و يحاول ان يترجمه.
هناك يوجد العالم. في رؤوسنا توجد "ترجمة" العالم.
كل القيم الانسانية لا تعدو كونها ترجمات، اذا فهي في رؤوسنا و ليست في العالم.

الامر الثاني الذي اود تناوله هنا و له علاقة بالوعي هو "انتقائية" الوعي.
الاشياء لا تقفز الى الوعي، هو لا يضيء بقعة من الماكن من ثم "يترجم" ما يرى، الوعي "يختار" ما يريد ان يرى. 

مثال بسيط: انت تجلس مع صديق، تتحدث معه في مقهى. لو سألك احدهم عن الاغنية التي كان تغني في المقهى فانك على الارجح لن تستطيع ان تجيبه. و انت في المقهى اذنك تهتز لمجموعة ضخمة من الاصوات، لكنك لا "تسمعها" كلها، أي انها لا تمرر كلها الى "حيز" الوعي. هناك نوع من "الفلترة" او "الانتقائية" في عمل الوعي الانساني.

عندما تكون منشغلا بعمل ما فالوعي "يقصي" كل البيانات الواردة من الحواس و التي لا علاقة لها بالعمل المنشود. اذا نستطيع الحديث هنا عن حالتين من حالات الوعي الانساني "وعي على جزء" و "وعي على كل" (يمكن استبدال كلمة وعي بكلمة ادراك و لمن عند المام بهذه الامور فانا لا اتحدث هنا عن نظرية الجشتالت).

الوعي الجزئي واضح، و هو عندما يكون اهتمامنا منصبا على "جزء" من العالم.
الوعي الكلي هو عندما لا نكون مشغوليين بجزء من العالم (فسرنا الماء بالماء، لكني ساتطرق للوعي على الكل فيما بعد).

ما علاقة هذا بالفرد و النمو الذاتي؟ ما قيمة كل هذا الحديث؟ 
هناك حقيقة عميقة في هذا العالم ربما تكون الحقيقة الوحيدة: هذه الحقيقة هي "الوجود".
الوجود امامنا كل الوقت، لكننا لا نراه لسببين هما:
المعاني التي يلصقها الوعي الاشياء تطغى على الاشياء (تحديدا على "وجود" الاشياء)
نحن دائما مشغولون بعمل ما، و الوعي عندنا دوما يقصي "الوجود".
رؤيتنا للعالم تشبه النظر الى لوحة. فانت ان اقتربت منها كثيرا سترى جزءا صغيرا منها (بوضوح كبير) لكنك لن ترى اللوحة كاملة. ان ابتعدت قليلا سترى ربما مساحة اكبر من اللوحة لكنك ستبقى تنظر الى اللون و الشكل. الوجود هو القماشة التي رسمت عليها اللوحة.
الوعي على "الجزء" يرتبط دائما بكلمة "تفكير". لانك حين تفكر فانت تفكر في شيء محدد او جزء معين. التفكير يقلص من "افق" الوعي، بالمقابل الـ"لا تفكير" يترك للوعي مداه. لذلك فالوعي على "الكل" مرتبط دوما بكلمة "تأمل" (او بـ "لا تفكير") و ممارسة الـ"لا تفكير" هذه لها تمارين تدعى "اليوجا". 
الحياة العصرية تفرض علينا العديد من الضغوطات، نحن دوما مشغولون نفكر في امر او اخر، العقل يعتاد على حالة التفكير المستمر لدرجة انه لا يتوقف عنها (لذلك عندما لا نجد ما يشغلنا نشعر بالضجر و نبدا نبحث عما نفعله). اليوجا بشكل مختصر هي تمارين عقليه تساعد في التغلب على هذه العادة.

خاتمة
كل المشكلة الفردية تكمن في اننا نتوقع ان الواحد منا يرى فقط لان عنده عيون، و يسمع لأن عنده أذنان.
معظمنا يعتقد ان "ممارسة" الحياة لا تحتاج لاكثر من التسكع في "المكان". 
يحتج المؤمنون اجمالا عندما نقول ان الانسان جاء من القرد،
و انا احتج كذلك، فمن قال ان الانسان تجاوز مرحلة القرد اساسا.
كما يحيا الحيوان في "لا وعي" و غيبوبة يحيا معظم البشر في "لا وعي" و "غيبوبة".
الفرق الوحيد هو ان الانسان يستطيع الخروج من الغيبوبة لكن هذا لا يحدث بالثرثرة او قراءة مقال في المنتدى او مشاهدة التلفاز او التناسل او الحب او الجنس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق