2007/01/05

الأعمى واللون الأسوَد


الأعمى واللون الأسود

وأقصد بالأعمى: الشخص الذي لم يرَ شيئاً البتة.

يربط البعض بين اللارؤية واللون الأسود بشكل غريب. في الحقيقية لا أرى علاقة بينهما. فمن لم يرَ لا يعرف اللون الأسود حتى. الأعمى لا يمكنه تمييز المربع ولا الدائرة، لا يمكنه تخيل الأشكال ولا الألوان، ولا حتى خطا مستقيماً أو نقطة.

إن كل ما يدركه الأعمى، كان قد اكتسبه من حواسه الأخرى دونما الإبصار. فالمربع هو مجرد مفهوم: "شكل بأربعة أضلاعٍ متعامدة ومتساوية الطول"، هكذا فقط. دون أي صورة مرافقة لهذا المفهوم، ولا مثال توضيحي له. وكذلك هي الألوان.. ولكن بلمسه المحيط وسماعه له…، يفهم محيطه بما تبقّى له من حواس.

أتساءل عمّا تعنيه الأشكال في عالم الأعمى، والأصوات في عالم الأصم.
هل يمكن لمنْ لم يرَ شكلاً يوماً أن يُدرك أنه لا يرى؟ 
برأيي يستحيل أن ذلك. فلا يمكن أن يتخيل الأعمى أي لون أو شكل ليعلَم أنه يفتقدها.

ولكن التفكر بما سبق طرح أسئلة أخرى:
هل يمكن لإنسانٍ فقد حواسه الخمس. أنْ يُدرك شيئاً؟
ما الذي يمكن أن يفكر فيه ذلك الكيان، دون أشكال أو أصواتٍ وروائح، دون أي طعمٍ أو ملمس.
هل يمكن أن تكون هناك ماهية لذلك الجسد؟..
هل هناك أي (أنا) فيه؟

يتقلص العالم مع زوال كل حاسة، وتسقط كل المدركات التي تتعلق بها. فعالمنا المحسوس خماسيّ الأبعاد يصبح رباعياً للأعمى، وثلاثي الأبعاد عند من فقد حاستين.. وهكذا.. -أو هكذا أراه أنا.- وبهذا لا أرى عالماً لمن لم يمتلك حواسه الخمس. وبزوال وجود هذا العالم، لن يكون هناك أي إدراكٍ ولن توجد تلك (الأنا(.

يصبح الإنسان هنا موجوداً بجسده لا أكثر، مجرد جسدٍ، كومة لحمٍ، لا يمكنه إدراك وجوده حتى.. قاسية قد تبدو هذه الفكرة، ولكن فعلاً، كيف سيمكنه إدراك نفسه وهو لم يشهد شيئاً من العالم؟

شعرتُ لبرهة، ببعض الراحة والغرور.. 
أنا: هذا الإنسان الكامل، الذي امتلك الأدوات الكاملة لفهم العالم. والكيان المحظوظ الذي يعيش في العالم خماسيّ الأبعاد.

ولكن مهلاً!
(أعتقد أن الفكرة وصلتك عزيزي القارئ.(

ماذا لو كنتُ أنا الآخر، أعمىً لا يمكنه إدراك الألوان؟
وأقصد طبعاً ماذا لو كان في العالم مُدركات لا يمكن إدراكها بحواسنا الخمس التي نملك؟ ماذا لو كنا نعيش بعالمٍ سداسي الأبعاد (مجازياً طبعاً)؟ أو ربما سباعي أو ثماني أو أكثر حتى.. من يدري.

ما نعرفه عن عالمنا، هو محصور بتجاربنا ومُدركاتنا التي تلقيناها من حواسنا. وأسلوبنا في فهم هذه المعطيات هو مبنيّ على أساس هذه الحواس (وفقط هذه الحواس).. أفكارنا والكلمات.. والمعاني، كل شيء..

حتى الـ (الأنا) تعكس إنساناً خماسيّ الأبعاد، أعمىً لم ترَ يوماً اللون الأسود..

علاء البنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق